
الانتفاضة السورية ضد نظام بشار الأسد اختتمت شهرها الرابع، وإدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تتعرض لضغوط متزايدة على ردود فعلها البطيئة والمترددة. حيث تستمر الإدارة بدعوة الرئيس السوري لقيادة التحول نحو الديمقراطية، ويبدو أن الولايات المتحدة تفتقر ببساطة إلى النفوذ المؤثر على الوضع في دمشق. حيث قال مسؤول أمريكي كبير في مايو "الحكومة السورية تعرف أنها تتمكن من العمل مع كمية معينة من الإفلات من العقاب لأنه ليس لدينا أي نفوذ حقيقي عليها". لا يوافق الجميع واشنطن، فقد صرح وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه ووزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك أن حكم الأسد غير شرعي.
خلافاً لكل الاحتمالات والتوقعات، انتشرت الثورة السورية تقريباً في كل جزء من البلاد. الشرارة التي بدأت في منتصف مارس في مدينة درعا الجنوبية امتدت إلى المناطق الكردية في شمال شرق البلاد، وفي المدن التي اختلط فيها السنة والعلويون كالمدن الساحلية والمدن السورية المركزية مثل حماه وحمص وحتى ضواحي دمشق. في البداية، كانت واشنطن متشككة، وكشف مسؤول أمريكي مجهول في ابريل أن تقييم إدارة أوباما كان أن هذه الانتفاضة الواسعة لن تحدث لأن الأسد كان جيد جداً في وأد هذه الحركات من مهدها كما أنها لم تكن تشك في مدى وحشية الأسد. إنما على الرغم من التعذيب والقتل، واصلت الانتفاضة على قدم وساق وسرعان ما أصبح للحركة الوطنية مطالب حول إسقاط النظام، وقد ردد المتظاهرون الهتافات التي سمعت في تونس والقاهرة (الشعب يريد إسقاط النظام).
وقد عبر المعارضون السوريون الذين التقوا مع مسؤولي الإدارة في واشنطن في ابريل عن خيبة أملهم من ردة فعل أمريكا الفاترة. حيث قامت الإدارة بفرض عقوبات على رموز النظام الكبار. كما عبر مسؤول عن أسفه موضحاً أنه نظراً لعدم وجود نفوذ لن يكون للعقوبات أي تأثير ملموس. وقال مسؤول آخر في الإدارة في ابريل "لدينا عقوبات بالفعل. هناك طرق إضافية لتشديد الضغط".
تطور الانتفاضة السورية قدم فرصة فريدة لواشنطن للضغط على الأسد. لدى الولايات المتحدة نفوذ، لكنها اختارت ببساطة عدم استخدامه. والسبيل الوحيد والأسهل لواشنطن للضغط يمكن أن يكون استدعاء روبرت فورد، الذي عينه أوباما سفيراً لدمشق رغم اعتراضات الكونغرس. وبالتالي فإن استدعاء فورد يمكن أن يكون طريقة واضحة لحرمان الأسد من الشرعية في العلاقات مع القوة العظمى الوحيدة في العالم والذي من شأنه تشجيع المتظاهرين وتثبيط عزيمة الأسد. الأهم من ذلك أنه ربما يرسل إشارة واضحة إلى الأغلبية الصامتة في سوريا التي تراقب بقلق وتتساءل من الذي سينتصر. بالإضافة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، يجب على أوباما أن يعلن أن حكم الأسد غير شرعي في النهاية، إلا أن تردد الرئيس لإعلان هذا الأمر غير مفهوم وخصوصاً بعد قيام حلفاء آخرين بذلك مثل فرنسا واسرائيل. مع ذلك فإن الإدارة استمرت بدعوة الأسد إلى قيادة المرحلة الانتقالية. وملاحظ بأن وسائل الإعلام العربية تبث أن أمريكا لينة على الأسد، الانطباع الذي يرغب النظام بتبنيه، وهذا هو سبب ظهور مستشارة الرئيس بثينة شعبان لتقول لصحيفة نيويورك تايمز عن اعتقادها بأن المجتمع الدولي سيعود إلى فكرة أن النظام استعاد السيطرة.
خسارة شركاء دوليين: فرنسا، قطر وتركيا
لقد تصرف الأسد بطريقة كلفته زعزعة علاقاته مع ثلاثة من البلدان التي كان لها دور أساسي في جهوده الرامية إلى إعادة تأهيل نفسه في العالم وهي: فرنسا وقطر وتركيا.
في 2004-2005، كانت فرنسا الشريك الرئيسي لواشنطن في الجهود المبذولة لعزل نظام الأسد بعد عملية الاغتيال المزعومة لرئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ولكن بدون جدوى. الآن هم يقودون الجهود الأوروبية لفرض عقوبات وقيود أخرى على الأسد وحلفاءه ويقودون الطريق في مجلس الأمن للأمم المتحدة لإصدار قرار يستهدف نظام الأسد.
قطر تستثمر في نظام الأسد، ولعبت دور في انفتاح باريس على دمشق. اليوم، قناة الجزيرة التي مقرها الدوحة تعتبر أداة قوية في فضح جرائم الأسد كما توفر منبراً للمعارضين السوريين والناشطين في مجال حقوق الإنسان. وفي أواخر مارس، عرضت القناة كلمة للداعية الشيخ يوسف القرضاوي الذي أعلن تأييده للثورة السورية قائلاً "قطار الثورة قد وصل إلى محطة كان لا بد له أن يصل إليها: محطة سوريا"، وبدأت وسائل الإعلام السورية محاربة الدوحة وأصولها.
أما تركيا، فلم تنتقد وحشية الأسد فقط، ولكنها لعبت أيضاً دوراً مباشراً في المرحلة الانتقالية في سوريا. وتحقيقاً لهذه الغاية، سمحت لقادة المعارضة السورية عقد مؤتمر على الأراضي التركية. لذلك، جاء أيضاً هجوم عليها من قبل وسائل الإعلام في النظام السوري. ومن المتوقع وبعد نزوح نحو ثمانية ىلاف مواطن سوري إلى تركيا خوفاص من البطش بداية لمرحلة تدخل دولي ضد سوريا يعزل تلك المنطقة نهائياً عن سيطرة الأسد، لتقترب سوريا من النموذج الليبي شيئاً فشيئاً.
هل تعلن السعودية سرّها!
يمكن لواشنطن توسيع التحالف ضد الأسد ليشمل غيرها من الدول العربية الرئيسية بما فيها المملكة العربية السعودية. يجب على واشنطن أن توضح أنها تسعى لإطاحة الأسد كجزء من استراتيجية أوسع لمواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة. وهناك مؤشرات تدل على قبول السعودية لذلك حيث أن وسائل الإعلام المملوكة من قبل سعوديين اتخذت كوسيلة ضد الأسد على مدى الأشهر الثلاثة الماضية. كما يمكن لإدارة أوباما حثّ حلفاء اقليميين آخرين على استخدام نفوذهم على سوريا لصالحها. على سبيل المثال، يمكن لأوباما أن يضغط على الإمارات العربية المتحدة والكويت والعراق للامتناع عن مساعدة نظام الأسد، تماماً كما يفعل مع الأوروبيين، لتضييق الخناق على سوريا. يمكن أن يكون لهذه الأمور تأثير على الطبقة التجارية السنية التي لا تزال على الحياد وربما تزيد من حدة الخلافات المحتملة في الجيش.
يمكن للولايات المتحدة أن تفعل أكثر من ذلك بكثير. يمكن لواشنطن أن تطلب من حلفائها الذين يشتركون بالحدود مع سوريا مثل العراق والأردن وتركيا تفعيل دورهم، وأن تجري اتصالات مع القادة المحليين في البلدات الحدودية في تلك البلاد. كما لدى أمريكا الكثير من النفوذ على الأكراد العراقيين وبالتالي يمكنها الوصول من خلالهم إلى الأكراد السوريين. وبالمثل، يمكن أن تشجع على قيام التحالفات المفيدة بين المجموعات القبلية التي تمتد على الحدود السورية مع العراق والأردن. ويمكنها أيضاً تزويد حركة المحتجين بمعدات اتصال.
في النهاية، المشكلة الحقيقية لا تكمن في عدم وجود ضغط بقدر رفض إدارة أوباما استخدامه. تحدث أوباما وكلينتون كثيراً عن الدبلوماسية متعددة الأطراف، وسوريا الآن تقدم لهم فرصة لعرضها. فماذا ينتظرون؟.
يعرف السوريون تماماً من يقف ورائهم في المجتمع الدولي. وفي الأسابيع الأخيرة أحرقوا أعلام الصين وروسيا وإيران، فلماذا لم يحرقوا العلم الأمريكي؟!. ربما لأنهم مازالوا يأملون بأن واشنطن ستأتي لنجدتهم. هذا الأمل بحد ذاته شكل من أشكال النفوذ، فيجب على أوباما ألا يبدد ذلك من خلال الاستمرار في المراهنة على الأسد.